القرطبي

239

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( 74 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( وبوأكم في الأرض ) فيه محذوف ، أي بوأكم في الأرض منازل . ( تتخذون من سهولها قصورا ) أي تبنون القصور بكل موضع . ( وتنحتون الجبال بيوتا ) اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم ، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم . وقرأ الحسن بفتح الحاء ، وهي لغة . وفيه حرف من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل . الثانية - استدل بهذه الآية من أجاز ( 1 ) البناء الرفيع كالقصور ونحوها ، وبقوله : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ( 2 ) " . ذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها مالا كثيرا فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال : ما أرى بأسا أن يبني الرجل بناء ينفعه . وروي أنه عليه السلام قال : ( إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه ) . ومن آثار النعمة البناء الحسن ، والثياب الحسنة . ألا ترى أنه إذا اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك ، فكذلك البناء . وكره ذلك آخرون ، منهم الحسن البصري وغيره . واحتجوا بقوله عليه السلام : ( إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الطين واللبن ) . وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال : ( من بنى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه ) . قلت : بهذا أقول ، لقول عليه السلام : ( وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية ) . رواه جابر بن عبد الله وخرجه الدارقطني .

--> ( 1 ) كذا في ك وفي ج : اختار جواز البناء . وفى ب وى : أجاز جواز . ( 2 ) راجع ص 195 من هذ الجزء .